لا يعني خروج المعتقل السياسي في مصر من السجن انتهاء معاناته، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة من الخوف والانتظار، وفق ما توضحه الكاتبة ماي المهدي في تحليلها حول الآثار النفسية والاجتماعية التي يتركها الاعتقال السياسي على آلاف المصريين الذين أُفرج عنهم خلال السنوات الماضية.

 

يعيش كثير من هؤلاء تحت تهديد دائم بإعادة القبض عليهم، وهو ما يتحول في حالات عديدة إلى واقع متكرر عبر قضايا جديدة بعد انتهاء الأحكام السابقة.


نشرت مدى مصر تقريرًا للكاتبة مي المهدي تناول الأبعاد النفسية العميقة التي تواجه المعتقلين السياسيين السابقين وعائلاتهم، موضحًا أن الإفراج لا يعيد بالضرورة الإحساس بالأمان، إذ يستمر الخوف من فقدان الحرية مرة أخرى ويؤثر في قدرة الأشخاص على بناء حياة مستقرة.


الاعتقال المتكرر وصدمة الخوف المستمرة


أعادت حملات الاعتقال الأخيرة تسليط الضوء على نمط طويل من استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمعتقلين السابقين، بعدما أدان مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف القبض على ثلاثة من مؤسسي لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، وهم المحامي محمد أبو الديار والمحامية وفاء المصري والصيدلانية حنان طنطاوي.


ولا تقتصر القضية على الجانب القانوني فقط، إذ تكشف التجارب الإنسانية للمعتقلين السابقين عن تأثير نفسي عميق يرتبط بالعيش تحت تهديد دائم بفقدان الحرية. وتشير بيانات مركز النديم لعام 2025 إلى تسجيل مئات حالات الاختفاء القسري والوفاة داخل أماكن الاحتجاز والتعذيب والإهمال الطبي، ضمن سياق ممتد من السياسات التي تركت آثارًا واسعة على المجتمع المصري.


ويعيش أقارب المعتقلين بدورهم تبعات نفسية قاسية، إذ يحملون القلق المستمر على أحبائهم، بينما يواجه المعتقلون الذين خرجوا من السجون حالة من عدم اليقين تمنعهم من التخطيط الطبيعي للمستقبل. ويصف حقوقيون هذه الممارسة بأنها "تدوير المعتقلين"، حيث يواجه الشخص قضايا جديدة بعد انتهاء فترة احتجازه السابقة، وكأنه يدخل دائرة لا تنتهي من الاعتقال.


فقدان غامض وحياة معلقة بعد السجن


لا تكفي النظريات التقليدية حول اضطراب ما بعد الصدمة لفهم تجربة المعتقل السياسي السابق في مصر، لأنها تفترض انتهاء الحدث الصادم والانتقال إلى مرحلة التعافي. لكن واقع هؤلاء الأشخاص يختلف، إذ يستمر التهديد قائمًا، ما يجعلهم يعيشون داخل حالة من التوتر المفتوح.


وتوضح نظرية "الفقد الغامض" التي طورتها عالمة النفس الأمريكية بولين بوس أن بعض الخسائر لا تصل إلى نهايتها الطبيعية، لأن الشخص أو الإحساس بالأمان لا يختفي بالكامل ولا يعود بالكامل. وتنطبق هذه الفكرة على المعتقلين السابقين وعائلاتهم، إذ يعود الشخص جسديًا إلى منزله، لكنه قد يفقد شعوره السابق بالأمان والانتماء.


وينتج عن ذلك ما يعرف بالحزن المتجمد، حيث يعجز الإنسان عن تجاوز الماضي أو بدء حياة جديدة مستقرة. فلا يستطيع أن يودع حياته القديمة باعتبارها انتهت، ولا يستطيع أن يبني مستقبلًا يشعر فيه بالأمان.


كما يفسر مفهوم "الضغط الصادم المستمر" الذي طوره علماء نفس عملوا خلال فترة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا هذه الحالة، إذ يرى أن استمرار الخطر الحقيقي يجعل مشاعر القلق والترقب ردود فعل طبيعية لحماية النفس وليست بالضرورة أعراضًا مرضية.


ولهذا فإن الاستيقاظ عند سماع طرقات الباب قبل الفجر، أو النوم بملابس كاملة، أو الاحتفاظ بحقيبة جاهزة قرب الباب، أو تجنب الحديث عن أسماء معينة عبر الهاتف، لا تعكس بالضرورة اضطرابًا نفسيًا، بل تمثل استجابة منطقية لبيئة يعتبر فيها الخطر احتمالًا قائمًا.


التعافي الفردي لا يكفي أمام جرح جماعي


تظهر آثار الاعتقال الطويل في تفاصيل الحياة اليومية للمفرج عنهم، إذ يجد كثيرون صعوبة في اتخاذ قرارات مستقبلية مثل الزواج أو الإنجاب أو شراء منزل أو الالتزام بوظيفة مستقرة، لأن أي مشروع قد يتوقف فجأة بسبب اعتقال جديد.


وتتكرر اضطرابات النوم والكوابيس خصوصًا في الأوقات التي كانت ترتبط بمداهمات الاعتقال، بينما يشعر بعض الناجين بالذنب تجاه زملائهم الذين ما زالوا خلف القضبان. كما تعيد موجات الاعتقال الجديدة إنتاج الصدمة القديمة، فتجبر الأشخاص على عيش التجربة نفسها مرة أخرى بدلًا من تجاوزها.


ولا تتوقف المعاناة عند المعتقل نفسه، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش حالة من الخوف الاجتماعي والعزلة. ويتعلم الأطفال في بعض هذه الأسر عدم طرح الأسئلة أو الثقة بالآخرين أو التخطيط للمستقبل، في ظل شعور دائم بعدم الاستقرار.


وتؤكد هذه التجربة أن التعافي من الصدمات السياسية لا يمكن اختزاله في علاج فردي فقط، لأن الجرح نفسه يرتبط بظروف اجتماعية وسياسية مستمرة. ويحتاج التعافي إلى إعادة بناء شبكات الدعم والثقة المجتمعية، واستعادة قدرة الأفراد على المشاركة والحياة الطبيعية.


ويرى مفكرون في مجال علم النفس التحرري أن المقاومة الجماعية واستعادة الحقوق ليستا مجرد مطالب سياسية، بل يمكن أن تكونا جزءًا من عملية الشفاء نفسها، لأن الإنسان يحتاج إلى استعادة صوته ودوره داخل المجتمع حتى يبدأ تجاوز آثار الصدمة.


ويبقى إنهاء حالة الخوف المستمر هو الخطوة الأساسية نحو تعافٍ حقيقي، إذ لا يمكن أن يختفي أثر الفقد الغامض ما دام خطر الاعتقال والملاحقة قائمًا. ويحتاج المعتقلون السابقون إلى بيئة تسمح لهم باستعادة حقهم في حياة مستقرة يمكن التخطيط لها دون انتظار طرقات الباب التي قد تعيدهم إلى نقطة البداية.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/06/04/opinion/u/the-wounds-borne-by-egypts-former-detainees/